فريق التحقيق: تمارة عماد – استبرق الزبيدي – إسراء طارق
على بعد 66 كيلومترًا شرق العاصمة بغداد، تتفاقم مشكلة النفايات الصلبة المتراكمة في مطمرَي “الخالص” و”كنعان” في محافظة ديالى. يكشف هذا التحقيق، الذي ارتكز على توثيق حياة النساء والأطفال العاملين في جمع المواد المستهلكة، وسكان المناطق المجاورة، أن العمل في المطمرَين مستمر بشكل غير قانوني، متجاهلًا أوامر الإغلاق الوزارية والمخالفات البيئية المثبتة.
ويعود سبب هذا التفاقم إلى استمرار استقبال المطمرَين النفاياتِ من بلديات المحافظة؛ إذ يستقبل مطمر “كنعان” وحده نفايات خمس بلديات، في حين يستقبل مطمر “الخالص” نفايات بلدية الخالص. هذا الاستمرار غير القانوني يعرّض صحة مئات الأسر لمخاطر صحية كثيرة، كما أنه يُظهر جانبًا من أسباب اعتبار أداء العراق البيئي منخفضًا، إذ صُنِّف في المرتبة 172 عالميًا وفق مؤشر الأداء البيئي لعام 2024، والذي يشمل 180 دولة.

تقف شيماء علوان (46 عامًا)، الأم لسبعة أيتام والجدة لطفلين، وسط النفايات في مطمر كنعان، لتروي كيف أجبرها النزوح من خانقين على العمل في المطمر. وعلى رغم تدهور بصرها ومعاناتها مع آلام المفاصل، لم يكن أمامها خيار، وهي المعيلة الرئيسة لأسرتها، سوى العمل “نباشة” مقابل عشرين ألف دينار يوميًا فقط، ما يعادل 15 دولارًا أميركيًا، وهو مبلغ لا يسدّ احتياجات عائلتها الكبيرة.
تفاقمت معاناة شيماء بإصابة شقيقها الوحيد بمرض سرطان الدم، فاضطرت إلى العمل ليلًا أيضًا “من الواحدة بعد منتصف الليل حتى الثالثة عصرًا”، في محاولة لسداد كلفة علاجه الباهظة، 700 ألف دينار، ما يعادل 530 دولارًا أميركيًا كل ثلاثة أيام.
بين معسكر سعد حيث تعيش مع عائلتها والاتكال على النبش في مطمر كنعان لمواجهة الفقر، تمضي شيماء كل يوم في رحلة “موت بطيء” حسب وصفها. إذ تعاني هي وأولادها من أمراض جلدية وتنفسية، بسبب الاحتكاك بنفايات من ضمنها مخلفات طبية خطرة، كالإبر، والأدوية الكيميائية، بل وحتى “أعضاء بشرية” حسب قولها، ما يضاعف من خطر الأمراض المعدية.
الأخطار والصدمات التي تواجهها شيماء وغيرها من النباشة متعددة، وقد تؤدي أحيانًا إلى مواجهة مع الموت. تستذكر شيماء حوادث متفرقة خلال فترة عملها الممتد لسنوات في المطمر، إحداها عندما كانت منحنية تجمع من بين أكوام النفايات، مرتدية عباءة سوداء، وخلال التدافع من النباشة على كابسة النفايات حصلت فوضى دفعت السائق إلى التراجع من دون الانتباه إليها. كاد أن يدهسها لولا تنبّه الشباب لها، كما تقول، والذين صرخوا به للتوقف.
تروي شيماء أن آخرين تعرضوا لإصابات أشد، وتؤكد أن مناشدات متكررة رُفعت إلى المسؤولين “أكثر من مرة (نطلب) من المسؤولين كتاب حماية… بس محد سامع”، مشددة على الرغبة في العيش “بكرامة”.
عمل النباشة في مطمر كنعان وغيره من المطامر ليس نظاميًا، فليس لدى النباشة أي رخصة قانونية للعمل في المطمر، ولا تتوافر في شروط عملهم معاييرُ السلامة الصحية والبيئية. لكن، يؤكد علاء علوان، أحد النباشة، أنه “إذا يوم واحد ما نطلع للشغل ما نقدر نعيش”، على رغم “مضايقات” البلدية والإدارة، ومكابدة العيش في “قلق دائم” وسط تهديدات بالطرد حسب قوله، والتعرض لإصابات مثل كسر في اليد وأمراض جلدية ومعويّة.
يقول حسن (14 عامًا)، مرتديًا قفازات لا تحميه من الإكزيما وجروح غير معالجة: “أول ما فطنت ووعيت على الحياة لقيت نفسي هنا”.
يعمل حسن منذ عامين فقط في المطمر، وعلى رغم يفاعة تجربته يدلّل على غياب المسؤولية، مؤكدًا أن “الحكومة هم حايرين بنفسهم”.
- لكن وجود النباشة في المطمر يشير إلى أنه في المقابل، هناك “غض نظر” عن عملهم يسمح بالعمل حتى للقاطنين في محافظات أخرى
فأم سعد (47 عامًا) تشق طريقها فجرًا من حسينية المعامل في بغداد إلى ناحية كنعان مع ابنها الأكبر للعمل داخل المطمر. مضطرة لإعالة زوجها المريض بأمراض مزمنة وبناتها وأبنائها الستة، تعمل من الفجر إلى بعد الظهر، “نجمع الكارتون والبلاستك ثم نبيعه في بغداد لنسترزق”.

حال أم سعد لا يختلف عن شيماء وغيرها من النساء اللواتي يرغبن في عمل آمن وعيش لائق، “منو يرضى بهذا العمل يشتغل هالشغلة المتعبة، أتمنى لو أقدر أغير الحال وأعيش ببيتي وبين عائلتي عيشة كريمة دون أن أضطر لتحمل البرد والحشرات واستنشاق هذه الروائح النتنة يوميًا”.
على بعد أقل من ساعة بالسيارة من مطمر كنعان، مشهد مشابه في مطمر الخالص. يستنشق النباشة الروائح النتنة نفسها، ويلاحق دخان الحرائق سكان القرى المجاورة.
على غرار شيماء وأم سعد، تمضي زكية، المعروفة بأم مالك (57 عامًا)، يومها في جمع علب المعجون والبيبسي الفارغة بيدين عاريتين من معدات وقائية، تقول “غصبًا علي… أتحمل”، فليس لديها “غير هذا الشغل للعيشة”. هذا الجهد اليومي الشاق لا يدر عليها سوى 5 آلاف دينار فقط، أي ما يقارب أربعة دولارات أميركية، وهو مبلغ بالكاد يكفي لدفع إيجار منزلها البالغ 160 ألف دينار شهريًا، أي نحو 123 دولارًا أميركيًا، ما يبقيها عند خط الفقر.

عوامل عدة تدفع قسرًا بأم مالك وغيرها من النساء إلى ممارسة أعمال خطرة مثل نبش النفايات. تشير سارة جاسم، المدافعة عن حقوق الإنسان، إلى اقتران “الأزمات الاقتصادية وضعف الحماية الاجتماعية وغياب فرص التعليم والتأهيل، ما يفرض ضغوطًا قاسية على النساء الأكثر هشاشة ولا سيما المعيلات لأسرهن”. وتشدد جاسم على غياب التعليم كحجر أساس “في ظل انعدام البدائل المستدامة وفرص العمل الآمنة”، في الحؤول دون وصول النساء “إلى فرص عمل كريمة، ويجعل الفقر والتهميش حلقة مغلقة يصعب كسرها”.
أما الطالب حسن علي داخل (15 عاماً)، الذي يعيل تسعة أفراد من منطقة “دور الدواجن” في قضاء الخالص، فيعمل في المطمر من الصباح حتى الظهر مقابل 7 أو 8 آلاف دينار، ما يقارب الـ6 دولارات أميركية يوميًا، على رغم معاناته من “ضيق نفس” بسبب الدخان. ولا يزال يحلم: “أنا طموحي أصير ضابط، إن شاء الله أصير ضابط”.

تؤكد شهادات أخرى من “النباشة” حجم المخاطر التي يواجهونها “مجبورين” لعدم وجود مصدر دخل آخر، إذ يشير صلاح مهدي، مدير مكتب المفوضية العليا لحقوق الإنسان في ديالى، إلى أن “النباشة” تحولت إلى “مهنة” تعيش منها مئات الأسر، ويتعرض أفرادها لإصابات وجروح من المخلفات الحادة، ويعانون من أمراض تنفسية وجلدية بسبب الأبخرة السامة التي يستنشقونها يوميًا.
تحدي أوامر الإغلاق الوزارية قانون على الورق … حظر الحرق والنفايات الخطرة
ليس السماح للنباشة بالعمل داخل المطامر سوى وجه من أوجه مخالفة المطامر للشروط والمعايير البيئية، لا سيما تلك التي ينص عليها القانون العراقي والالتزام بالاتفاقيات الدولية. فواقع الحرق المستمر الذي وثقه التحقيق من خلال مشاهد حية عند زيارة مطمرَي الخالص وكنعان، يتعارض بشكل صارخ مع ما ينص عليه قانون حماية وتحسين البيئة العراقي رقم (27) لسنة 2009.
فالقانون يهدف إلى “منع تلوث المياه السطحية والجوفية والهواء”، ويشدد على حظر “حرق النفايات الصلبة” في المناطق السكنية أو بالقرب منها، ويلزم بتصنيف النفايات، ويحظر مزج النفايات الخطرة مع غيرها.
ووفق الاستراتيجية الوطنية 2024-2030، الطمر في المواقع غير الحاصلة على الموافقات البلدية هو الأكثر اعتمادًا في النواحي للتخلص من النفايات البلدية.
٢٨ ٪ فقط من إجمالي عدد مواقع الطمر الصحي في العراق حاصلة على الموافقات البيئية، أمـا المحطـات التحويليـة فقــد بلــغ إجمالي عددها ٨٧ محطة تحويلية منتشرة في جميع محافظات العــراق ١٤ منهــا فقــط حاصــل علــى موافقــة بيئيــة.
مطمر كنعان.. أمر إغلاق صادر عن الوزارة وغرامات معلقة
تُظهر الوثائق التي حصل عليها فريق التحقيق، تجاهلًا مستمرًا لقرارات الغرامة وأوامر الإغلاق، ما يطرح تساؤلات حول مدى قدرة الجهات التنفيذية على فرض القانون البيئي وحماية الصحة العامة.
بدأت الإجراءات القانونية تجاه مطمر كنعان منذ حزيران/ يونيو 2016، عندما صدر “أمر غلق” موجّه الى (المحطة الوسطية لتجمع النفايات) التابعة لمديرية بلدية بعقوبة بسبب عملها من “دون استحصال موافقة الوزارة”.
بعد عام، صدر”أمر غلق” مباشر ضد “موقع طمر كنعان”، وفق وثيقة صادرة عن وزارة الصحة/البيئة، الدائرة القانونية، نتيجة عدم التزام الموقع بمراجعة دائرة حماية وتحسين البيئة لاستحصال الموافقات البيئية.



ونص القراران على الغلق لمدة (30) يومًا قابلة للتمديد تلقائيًا حتى الحصول على الموافقات البيئية، بالاستناد إلى أحكام المادة 11 من قانون حماية وتحسين البيئة رقم 27 لسنة 2009، التي تمنع ممارسة النشاطات المؤثرة على البيئة من دون استحصال موافقة الوزارة.
على رغم أمر الإغلاق المباشر في 2017، استمرت المخالفات في مطمر كنعان، ما أدى إلى تصعيد الإجراءات القانونية من دون تغيير جذري في الواقع الميداني، وهذا ما أكدته وثائق غير قابلة للنشر اطلع عليها فريق التحقيق.
بعد توجيه إنذار رسمي الى موقع مطمر كنعان، فرضت دائرة حماية وتحسين البيئة في منطقة الوسط غرامة مالية ضخمة عام 2020 لعدم الامتثال، تتكرر شهريًا حتى إزالة المخالفة، ما يشير إلى تراكم مبالغ طائلة على الجهة المسؤولة.
بعد أربع سنوات من الغرامة الشهرية، أظهرت السجلات التي راجعها فريق التحقيق أن مديرية بيئة ديالى اضطرت لإصدار إنذار جديد لتسديد الغرامة المتراكمة، ما يؤكد استمرار المخالفة وتجاهل الدفع.
لم يتغير الحال بعد، فقد أكدت نتائج زيارة رقابية حديثة في 27 أيار/ مايو 2025 استمرار الأزمة في كنعان. إذ أثبت التقرير الفني الذي اطلع عليه فريق التحقيق أن الموقع لا يزال يعمل من دون الموافقات البيئية، ويفتقر إلى أدنى المتطلبات البيئية مثل أنابيب تصريف العصارة الراشحة أو تنفيس الغازات، كما أشار التقرير إلى وجود حرائق وكلاب سائبة داخل الموقع.

من جهته، دافع المهندس بسام الحديثي، مدير قسم البيئة في بلدية بعقوبة، عن الموقع، قائلًا إنه “حاصل على جميع الموافقات من الجهات ذات العلاقة” من 13 دائرة حكومية، لكنه يقر في الوقت ذاته بأنه غير حاصل على موافقة من وزارة البيئة، لافتًا إلى أن المطمر يبعد 2 كم.
وتؤكد مسؤولة في مديرية بيئة ديالى رفضت الكشف عن اسمها، أن المطمر لا يمكن إغلاقه في الوقت الراهن، كونه يخدم بلديات عدة في المحافظة، ولا يوجد بديل حالي للتخلص من النفايات التي تخدم 700 ألف نسمة.

على الرغم من أن المطمر لم يحصل على ترخيص رسمي، أشارت المسؤولة في مديرية بيئة ديالى إلى أن الوضع الحالي للمطمر أفضل من السابق، فقد أصبح الموقع محاطًا بخندق، وتعمل فيه جميع الآليات، وزُوِّد بمنظومة كاميرات للسيطرة على “النبّاشة” والحرائق. لكنها تؤكد في الوقت نفسه أن هذه التحسينات لا تلغي حقيقة أنه لا يزال مخالفًا للشروط البيئية.
وفي ما يخص مطمر الخالص، الذي يشتكي منه الأهالي، أكدت المسؤولة في مديرية بيئة ديالى، أن المديرية تسلمت كتابًا رسميًا في شهر آب/ أغسطس، يفيد بضرورة فتح موقع طمر صحي جديد مطابق للشروط البيئية، على أن يُغلق الموقع الحالي. وبحسب وثائق اطلع عليها فريق التحقيق، فإن موقع طمر الخالص يعمل من دون الحصول على الموافقة البيئية، وقد وجهت مديرية بيئة ديالى في 6 -8- 2025، كتابًا إلى مديرية بلدية الخالص لاتخاذ الإجراءات اللازمة لإنهاء العمل في الموقع الحالي والانتقال إلى الموقع البديل.

وتشير الوثيقة إلى أن هذا الإجراء اتخذ بناءً على”الزيارة الميدانية المشتركة”، من قبل مديرية بيئة ديالى وقائمقام قضاء الخالص. كما تؤكد الوثيقة على ضرورة “إكمال الإجراءات والموافقات البيئية” للموقع الجديد قبل الانتقال إليه. خطوة لم تنفذ بعد.
أما عن بقية المطامر في ديالى، فقد أكدت المسؤولة في مديرية بيئة ديالى أن جميع المواقع، بما فيها مطمر خانقين، قرة تبه، جلولاء، السعدية، وحمرين، إضافة إلى مكبي خان بني سعد وبلدروز، غير حاصلة على أي موافقة بيئية.
الحرق العشوائي
يشير الدكتور أوس الطياوي، الخبير في معالجة المخلفات، إلى أن المطامر العشوائية تخلف “بصمة تراكمية تستمر لعقود” من التلوث البيئي والصحي. ويوضح الطياوي أن العصارة السامة (Leachate) الناتجة عن تحلل النفايات تلوث المياه الجوفية، مما يزيد من احتمالات الإصابة بالسرطان والأمراض المزمنة.
وينتج عن الحرق العشوائي غازات خطيرة مثل الميثان، بالإضافة إلى الديوكسينات، التي تسبب تدهورًا في جودة الهواء، وقد أكدت تقارير محلية ودراسات طبية رصد زيادة في حالات أمراض الجهاز التنفسي والجلدية. كما وثقت أبحاث جامعية العلاقة بين ارتفاع تركيز المعادن الثقيلة في التربة والمياه المحيطة بالمطامر وظهور أمراض في الكلى والجهاز الهضمي. وتظهر دراسات أن الأطفال المعرضين لهذه الملوثات يعانون من تراجع في الأداء المدرسي، ويصبح كبار السن أكثر عرضة لأزمات الربو.
ويلفت صلاح مهدي مدير مكتب المفوضية العليا لحقوق الإنسان في ديالى إلى أن الحرق الذي يلوث سماء القرى ليس من فعل “النباشة” وحدهم، بل من قبل “أهل الشفل” (عمال البلدية) وأحيانًا من أصحاب مزارع الدواجن الذين يحرقون الدجاج التالف.
يتقاطع هذا الكلام مع شهادة مهدي صالح، المعلم في قرية سادة بني جميل، الذي أشار إلى رمي النفايات في “معمل البلدية” الواقع “جانب المدرسة” مباشرة، والمسافة لا تتجاوز 100 متر فقط، ما ينتج روائح “شديدة” تمنع الطلاب والمعلمين من الوقوف داخل الصفوف.
النزوح وغياب الرقابة النيابية
ومع كل حريق يشتعل تتصاعد المأساة في قرية السادة بني جميل القريبة من مطمر الخالص.
تروي أم محمد (25 عاماً) كيف كاد ابنها، الذي يبلغ من العمر سنة وشهرين،أن يفارق الحياة. فقد أصيب بـ “حساسية مزمنة في الصدر وربو” بعد تعرضه لدخان كثيف يتصاعد من المطمر عندما كان عمره خمسة أشهر فقط، ووصلت حالته إلى “درجة الموت… وحولوه على جهاز تنفس اصطناعي”. اليوم، لا يزال الطفل “عايشًا على العلاج” ولا يتحمل أي غبار أو رائحة. وتؤكد الأم أن هذه الحالة تتكرر في قريتهم التي تضم حوالي 30 بيتًا، حيث “كلنا أطفالنا يعانون من أمراض تنفسية وحساسية”، ويراجعون الطبيب بشكل أسبوعي لمتابعة حالات أطفالهم.
وحسب المراجعة الطبية التي قامت بها أم محمد، فإن الرابط وثيق بين تفاقم أمراض الجهاز التنفسي والتعرض للدخان الذي يسببه الحرق في المطمر.

وهكذا فإن خلاص أم محمد وابنها يكمن إما في النزوح أو في انتظار بلا أفق لإغلاق المطمر واستبداله بمعمل تدوير النفايات كحل مستدام.
ويؤكد خطاب ساجد (20 عامًا)، الطالب الجامعي من قرية أبو تمر وعلى بعد 900 متر فقط من موقع الطمر في الخالص، أن الكثافة المرضية بلغت حدًا صادمًا “تقريبًا يوميًا يدخل حوالي 30 طفلا” إلى المستشفى بسبب الحساسية والاختناق. هذا الوضع يقيد الأطفال قسرًا داخل منازلهم “محبوسين داخل البيوت، ما نكدر نفتح الشباك ولا نطلع بره”، بينما الدخان والغاز “خنقونا”.

وتزداد بسبب ذلك معاناة السكان المرضى، فصحة أم ياسر (27 عامًا) التي خضعت لعملية زرع كلى، تتدهور، ويضطر زوجها مصطفى لإخراجها من المنزل عند تصاعد الدخان بناء على طبيبها من تعرضها “لأيريحة دخان”. مأساة يومية تعيشها أم ياسر وزوجها الذي لا يفهم الاضطرار للعيش هكذا في هذا العصر: “إحنا اليوم سنة 2025، والمفروض صرنا بزمن التكنولوجيا، بس بعدنا نعيش وسط الدخان والمشاكل نفسها، كأن الزمن واقف“.
هذا التدهور دفع السكان في حديثهم إلى فريق التحقيق للتلويح بـ “النزوح البيئي”، “إذا استمر الحال هكذا سنترك القرية” يقولون إن الدخان “يجي كأنما والله الي بجانبك ما تشوفه”، “نختنق… وضعيتنا كأنما قاعدين وسط زبالة”. ورغم مناشداتهم لا يجدون آذانًا صاغية، “سبعين مرة نشرنا وناشدنا بالإعلام”، إلا أن النواب “يشوفون المنشورات، بس ما حد يتحرك”.
ووفق لجنة حقوق الإنسان النيابية، فإن خطر النزوح قائم في ظل غياب الاهتمام الملحوظ بالتلوث البيئي في عموم العراق.
أوجه القصور ومسؤولية الجهات الرسمية.. الحصانة والفساد
تؤكد الدكتورة نجلة الوائلي، المديرة الفنية في وزارة البيئة أن العديد من المطامر غير حاصلة على الموافقة البيئية، مشيرة إلى مطامر بغداد وهي ثلاثة، نهروان، النباعي، الحسينية، ومطامر الديالى التسعة، كلها غير حاصلة على الموافقات البيئية باستثناء موقع طمر حمرين في المقدادية. وتوضح أن وزارة البيئة تقوم باتخاذ الإجراءات القانونية بحق المواقع المخالفة والمتمثلة بتوجيه إنذار وفرض غرامة مالية والغلق المؤقت. لكن الدكتورة الوائلي توضحأن الوزارة مقيدة برفع دعاوى قضائية على أنشطة القطاع العام، وفقًا للمادة (80) من قانون العقوبات العراقي.
الأشخاص المعنوية، فيما عدا مصالح الحكومة ودوائرها الرسمية وشبه الرسمية مسؤولة جزائيا عن الجرائم التي يرتكبها ممثلوها أو مديروها أو وكلاؤها لحسابها او باسمها.
ولا يجوز الحكم عليها بغير الغرامة والمصادرة والتدابير الاحترازية المقررة للجريمة قانونا، فاذا كان القانون يقرر للجريمة عقوبة اصلية غير الغرامة ابدلت بالغرامة ولا يمنع ذلك من معاقبة مرتكب الجريمة شخصيا بالعقوبات المقررة للجريمة في القانون.
وقد أصدر مجلس الوزراء بتاريخ 15-10-2024 قرارًا يلزم الوزارات باتخاذ إجراءات عاجلة، منها تفعيل دور “شرطة البيئة” في معالجة المخلفات وإيقاف حرائق النفايات، وإنشاء مطامر نظامية وفقًا للشروط البيئية.
لكن تطبيق هذه القرارات يظل معلقًا بتفعيل آليات المحاسبة وكسر جدار الحصانة القانونية المتمثل في المادة (80) من قانون العقوبات العراقي.
بالإضافة إلى ذلك فإن محاولات لجنة الصحة والبيئة النيابية أيضًا محدودة الفعالية، إذ تقتصر على استدعاء مسؤولي البلديات الذين قد يتجاوبون بإرسال كتب رسمية وإنذارات بالغلق وغرامات من دون تنفيذ.
ويرجع النائب الثاني لرئيس لجنة الصحة والبيئة النيابية، مقدام الجميلي أسباب بقاء هذه المطامر غير المتوافقة إلى “ضعف الحكومة وتغلغل الفساد في جميع مفاصل الدولة”.
كما يؤكد رئيس لجنة الخدمات والإعمار النيابية، علي جاسم الحميداوي، أن المطامر غير النظامية تدار في “عالم من الفساد”، كاشفًا أن 90% من النفايات في المدن العراقية لا تجمع بشكل صحيح. وأشار الحميداوي إلى أن عملية نقل النفايات في بغداد تتم عبر أربع مراحل، عبر 15 محطة تحويلية تسبب تراكمًا للنفايات واشتعال حرائق، مؤكدًا أن “لا يوجد فرز في المطامر”.
ثروة مهدورة: تجارة القمامة وضياع الاستثمار
تؤكد الأرقام الرسمية حجم الأزمة الوطنية، فالعراق ينتج حوالي 50,000 طن من النفايات الصلبة يوميًا، بحسب “خطة التنمية الوطنية 2024-2028” الصادرة عن وزارة التخطيط العراقية أن 149 موقعًا من أصل 221 موقع طمر غير حاصل على الموافقة البيئية، مما جعل العراق يحتل المرتبة 172 من 180 دولة في مؤشر الأداء البيئي لعام 2024 (EPI) وبالنسبة للنفايات يحتل العراق مرتبة متدنية (المرتبة 170 عالميًا)، ويعتبر أداء ضعيف جدًا يشير إلى سوء إدارة النفايات الصلبة. كما أن نسبة تدوير النفايات لم تتجاوز 10% من الكمية الاعتيادية، بينما العراق لا يمتلك سوى معمل تدوير نفايات واحد عامل فقط.

وبحسب حسين حميد حسن الذي يقتصر عمله في مطمر الخالص على جمع الكارتون، فإن ما يجمعه في المطمر يبيعه في بغداد بأسعار غير ثابتة (الطن بـ 130-140 ألف دينار، أي نحو مئة دولار أميركي). ويجمع باليوم الواحد ما بين 500 كيلو إلى طن من الكارتون، تُكبس هناك وتُرسل إلى السليمانية.
هذه الكميات الهائلة تغذي تجارة غير نظامية، حيث يشتري قاسم، متعهد بيع النفايات في بعقوبة، المواد القابلة للتدوير من “النباشة”، ويقوم بإرسالها إلى معامل متخصصة لإعادة التدوير في مناطق أخرى، كالحديد الذي يرسل إلى معامل في إقليم كردستان (مثل FF و PGCT في السليمانية)، والبلاستيك إلى معامل في بغداد.
هذا التداول يثبت أن النفايات ثروة مهدرة، بينما يعاني المستثمرون الراغبون في مشاريع التدوير من “دوامة الإجراءات” البيروقراطية لشهور، بسبب وقوع المطامر على أراضٍ تابعة لوزارتي المالية أو الزراعة بحسب مدير مفوضية حقوق الانسان
الفرز هو الحل المستدام لخفض “البصمة الكربونية”
تؤكد المهندسة مروة أديب، صاحبة مشروع “دويرة”، أن اعتماد نظام متكامل لإدارة النفايات هو “جزء ضروري” لتحقيق “انخفاض ملموس” في كميات النفايات التي تطمر وتحرق. وتشرح أديب أن الفرز والمعالجة يمكن أن يُحققا خفضًا كبيرًا في الأضرار البيئية عبر تحويل فضلات الطعام والورق والكارتون إلى سماد عضوي، ما يقلل من “تسرب الملوِّثات للتراب والمياه الجوفية وانبعاثات الغاز”، ويخفض “البصمة الكربونية”.
وتركز المهندسة أديب على مجموعة من الخطوات العملية التي يمكن تبنيها سواء على مستوى مجموعات أهلية أو حكومات محلية مثل تنظيم برامج ميدانية في الجامعات والمدارس والصروح العامة لنشر السلوك البيئي الصحيح في فرز النفايات، واعتماد نظام فرز النفايات في الشوارع والمنازل، ودعم المشاريع التي تحاول ترسيخ هذه السلوكيات. وترى أديب أن نشر ثقافة التدوير من خلال التوعية للفائدة الاقتصادية، ومن خلال تنظيم وتسهيل بيع الخردة وإنشاء اقتصاد محلي للمواد سيقلل من الحرق العشوائي، معتبرة أن نجاح هذه الخطوات في بعض المناطق سيمكن المواطنين والجهات المختصة من الاعتماد على نتائجه للضغط من أجل تفعيل التشريعات.
كما يوصي الخبراء الذين قابلهم الفريق خلال إعداد التحقيق على ضرورة تحديث قانون إدارة النفايات الصلبة، وتخصيص ميزانيات مستقلة لإغلاق المطامر غير النظامية، وإنشاء لجنة وطنية لإدارة النفايات تكون لها “صلاحيات فعلية”.
في موازاة اقتراحات تتناول تصحيح إدارة قطاع النفايات من زاوية بيئية تنظيمية، تشدد جاسم، على أهمية مراجعة إدارة القطاع من منطلق الفساد المستفحل الذي يحول هذا القطاع “إلى نموذج مصغر لاقتصاد يستنزف النساء بدل تمكينهن“.
وأضافت أن استمرار هذا الهيكل يعني “إبقاء النساء أسيرات للعمل غير الرسمي، دون حماية قانونية أو ضمان اجتماعي أو فرص للترقي”. وتطالب جاسم الحكومة بوضع خطة ملزمة وشاملة تضمن الانتقال من هذا “الاقتصاد الاستغلالي إلى اقتصاد عادل”، عبر تنظيم العمل في قطاع النفايات، وتوفير بدائل عمل لائقة، وتمكين النساء من الوصول إلى الموارد وفرص التشغيل الآمن، باعتباره جزءًا من “مسؤوليتها في تحقيق العدالة الاجتماعية والاقتصادية”.
إن ترافق هذه الخطوات مع تطبيق صارم للتشريعات وتجاوز جدار الحصانة القانونية يمكن أن يشكل خلاصًا لسكان ديالى من الدخان الناتج عن حرق النفايات، والأضرار الصحية التي تصيب التربة وتلوث المياه الجوفية على المدى البعيد، وتطبيقها في عموم العراق سيحمي المواطنين مما أصبح مرادفاً للموت البطيء.
تم نشر هذا التحقيق بالتعاون مع موقع درج



































