تقاريرنا

غابات ديالى.. عشرات الآلاف من الدونمات تتحول إلى صحراء وكتل إسمنتية

أحمد نجم

كان من المفترض أن تحيط عشرات أو مئات الآلاف من الدونمات الخضراء بمدن ديالى اليوم، لكن الغابات التي أُنشئت خلال العقود الماضية لتكون رئاتٍ تتنفس من خلالها المدن، وأحزمةً خضراء توقف زحف الصحراء، تحولت إلى أراضٍ جرداء أو كتل إسمنتية، ولم يبقَ منها سوى قلة قليلة لا تزال تكافح للبقاء في مواجهة الجفاف والإهمال والنسيان.

يبحث هذا التقرير في حال ثماني غابات بدأ إنشاؤها في سبعينيات القرن الماضي، اختفت سبعٌ منها تقريبًا دون أثر، فيما استمر جزء صغير من غابتين فقط في المقاومة، كشاهدين على التحديات المستمرة التي تواجه مشاريع التشجير في العراق.

“هايد بارك” ديالى

في أطراف ناحية كنعان، تصطف مئات أشجار الكالبتوز الشاهقة، وإلى جانبها جثث مئات الأشجار الأخرى المقطوعة والمحترقة.
تبلغ المساحة الكلية لغابات كنعان نحو 7200 دونم، وهي مساحة أكبر بخمسة أضعاف من حدائق هايد بارك الشهيرة.

ما هو مزروع فعلياً في هذه المساحة الشاسعة لا يمثل سوى نسبة ضئيلة جداً، وهي متروكة للعبث، بلا سياج ولا رعاية، وتعاني من العطش صيفاً.

تقول مديرة قسم الإنتاج النباتي في زراعة ديالى، ذكرى جاسم، إن غابة كنعان لم تعد تحظى بأي اهتمام، وازدادت معاناتها منذ أن تحولت إدارتها إلى دائرة الغابات والتصحر في العاصمة بغداد، بعد أن كانت دائرتها هي المشرفة عليها.

“الأشجار تتهالك، ومياه الآبار لا تكفي للسقي”، تقول جاسم.

ولا يتعدى ما هو موجود اليوم في الغابة عدة آلاف من الأشجار، في حين أن المساحة الكلية تكفي لزراعة نحو مليون شجرة بكثافة متوسطة.

غابة مندلي

على بعد نحو120 كيلومتراً شرق بعقوبة، تقع أحدث غابات ديالى، وهي غابة مندلي التي أُنشئت عام 2010، وتنتشر فيها آلاف أشجار السدر العملاقة والكالبتوز والأثل وشوك الريم.

تبلغ مساحة الغابة 100 دونم، لكن المساحة المزروعة فيها أقل بكثير، وتعاني هي الأخرى من الإهمال والعطش.

يقف المهندس الزراعي ياسر المندلاوي برفقة 13 موظفاً آخرين يعملون في الغابة عاجزين أحياناً عن المحافظة عليها؛ إذ إن منظومات الري بالتنقيط قد استُهلكت منذ سنوات، وأصبحت تُسقى سيحاً بمياه الآبار، التي بالكاد تصلح لسقي الأشجار الكبيرة.

يقول المندلاوي: “لا توجد أموال للغابة واحتياجاتها الأساسية، ونضطر أحيانًا لشرائها على نفقتنا كموظفين، رغم الرواتب المتدنية”.

قبل عام، اشترى المندلاوي وزملاؤه من حسابهم الخاص سلكاً كهربائياً كبيراً ومحركاً كهربائياً غاطساً للبئر، بسعر مليونين وأربعمائة ألف دينار.

وتتفق المهندسة ذكرى جاسم مع توصيف ضعف التخصيصات للمشاريع الزراعية في ديالى، إذ تتراوح التخصيصات السنوية بين 10 و15 مليون دينار للغابات وثلاثة مشاتل ومشاريع الطماطم والأسمدة العضوية، وهي مبالغ لا تكفي للحفاظ على تلك المشاريع، فضلًا عن تطويرها.

غابات مندثرة

بالإضافة إلى غابتي كنعان ومندلي، كانت فيما مضى أكثر من ست غابات كبيرة لم يبقَ منها غير الاسم والذكريات.
فغابة غرب بعقوبة، التي تبلغ مساحتها ألف دونم، كانت تمثل حزاماً أخضر للمدينة، لكن اقتُطعت منها مئات الدونمات عند إنشاء جامعة ديالى، واندثرت بقية الأشجار.

كما أن غابة بلدروز 1200) دونم) تحولت قبل عام 2003 إلى معسكر كبير للجيش، ولم يتم تعويض الغابة بأراضٍ جديدة.
وتحولت غابتا جلولاء وخانقين، وكل منهما بمساحة أكثر من ألف دونم، إلى عقود زراعية ومؤسسات حكومية.

وتشير مديرة قسم الإنتاج النباتي في زراعة ديالى إلى غابة أخرى قد اندثرت بعد أن تحولت عائديتها إلى وزارة السياحة، وهي غابة المنصورية، بالإضافة إلى ثلاثة خطوط تشجيرعلى الطريق الرئيسي لناحية السد العظيم، ولم يتبقَّ منها إلا عدة أشجار تقاوم بلا سقي واهتمام.

ويرى الخبير البيئي قيس عثمان أن المدن، عندما تُترك بلا مساحات خضراء كافية، تصبح مدناً خطرة، وتتدهور فيها نسب الأوكسجين، ويزداد فيها الغبار والتصحر.

ويؤكد عثمان، الذي عمل مديراً للثروة الحيوانية في زراعة ديالى لسنوات طويلة، أن ديالى فقدت عشرات الواحات الخضراء من أشجار الكالبتوز وغيرها، التي كانت تُزرع بالقرب من مداخل القرى والتقاطعات، مثل الأشجار العملاقة التي لا تزال بعضُها شامخة بالقرب من تقاطع القدس.

النحل يتضرر

ولا تقتصر خسارة الغابات على فقدان المساحات الخضراء فقط، فقد تكبد النحالون خسائر بآلاف الأطنان من العسل سنوياً، نتيجة انحسار المراعي الطبيعية للنحل.

يقول علوان المياحي، رئيس جمعية النحالين في ديالى: “كانت الغابات تنتج فيضاً من العسل.”

ويستذكر بألم الأيام السابقة، التي كان يتنقل فيها بخلاياه من غابة إلى أخرى، وخاصة غرب بعقوبة وكنعان.

ويشير المياحي إلى أن بداية انهيار الغابات كانت خلال الحرب العراقية الإيرانية، حين كانت تُقطع الأشجار لإخفاء الآليات العسكرية، ثم تبعتها الظروف الاقتصادية في بداية التسعينيات، التي جعلت الكثيرين يضطرون لاحتطاب أشجار الغابة لأغراض الطبخ والتدفئة.

ويقول المياحي، الذي يعمل في مجال النحل منذ 45 عاماً: “إن النحال الواحد كان ينتج أكثر من طن ونصف من العسل في غابة كنعان، وأكثر من 600 كغم من غابة غرب بعقوبة”، لكن اليوم يضطر نحالو ديالى للتنقل بين كردستان والموصل وبغداد وأطراف ديالى، بحثاً عن مراعي طبيعية للنحل.

غياب الحلول

تتقلص مساحات الغابات يوماً بعد آخر، فيما تقف المؤسسات المعنية عاجزة عن إنقاذها.
تقول ذكرى جاسم: “نقدر نلحق ننقذها لو أكو إرادة”، لكن الإرادة يجب أن تُترجم على أرض الواقع بإجراءات حقيقية وسريعة، وهذا ما لم يحصل حتى الآن.

“نضطر أحياناً لطلب البذور أو الأقلام من المواطنين الذين يمتلكون أشجاراً مميزة وجديدة لغرض زراعتها وإكثارها”، تقول ذكرى.

تعتمد دائرة زراعة ديالى في تمويلها كلياً على الموازنة العامة للوزارة، وهي شحيحة جداً في مجال دعم المشاريع الاستثمارية التي تُصنَّف الغابات والمشاتل كجزءٍ منها.
وأثناء العمل على إنتاج التقرير، كان موظفو دائرة الزراعة يفترشون حديقة الدائرة بسبب عدم وجود تمويل لتشغيل المولد الكهربائي!

تم انتاج هذا التقرير بدعم من مشروع “قريب” برنامج اقليمي تموله الوكالة الفرنسية للتنمية (AFD) وتنفذه الوكالة الفرنسية للتنمية الاعلامية (CFI)

شرق العراق

موقع يقدم لكم محتوىً صحافياً متنوعاً حول(المرأة،التنوع،المجتمع،والشباب).

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى