استبرق الزبيدي
يومياً عند الساعة الثامنة صباحاً، تفتح سوزان باب مركزٍ ناشئ لاستقبال الأطفال الذين يعانون من اضطرابات في التواصل والانتباه والسلوك، في بيئة تعاني نقصاً واضحاً في خدمات التأهيل المتخصصة.
وسط هذا الواقع، افتتحت سوزان خالد مركز «فُلّة» للتوحد واضطرابات التعلّم في مدينة بعقوبة، كاستجابة محلية لحاجة متزايدة إلى خدمات منظمة قد لا تتوفر في أماكن أخرى.
هي امرأة جريئة تبلغ من العمر 51 عاماً، كانت يوماً ما نازحة؛ أطلقت هذه المبادرة، وهي الآن تقود هذا المشروع في محافظة ديالى، شمال شرق العراق.
في العام 2016 التحقت بالعمل مع المنظمة الدنماركية للاجئين (DRC) ضمن برنامج حماية الطفل، وعملت مع الأطفال والعائلات النازحة في المخيمات.
تقول سوزان: “كنا نتابع الوضع في المخيمات وندخل بيوت العائلات النازحة ونتعامل مع الأطفال، خاصة في معسكر سعد، كان صعباً جداً”.
خلال عملها مع الأطفال، لاحظت سوزان أن بعض الاطفال يعانون صعوبات في التواصل أو التفاعل الاجتماعي مما دفعها إلى البحث والتعلم أكثر حول موضوع اضطرابات طيف التوحد.

منذ افتتاح المركز، استفاد مئات الأطفال من جلسات التأهيل، وتمكن بعضهم من تطوير مهاراتهم والتقدم في الدراسة، مما شجعها على افتتاح فرعٍ ثانٍ في قضاء المقدادية، حيث كانت تسكن قبل الهجرة إلى جلولاء في 2007.
وخلال السنوات الأخيرة بدأت حالات اضطراب طيف التوحد تظهر بشكل أكبر في العراق، وسط نقص واضح في الخدمات المتخصصة.
وتشير تقديرات إلى وجود أكثر من 125 ألف شخص يعانون من اضطرابات التوحد في العراق، بمعدل يقارب 328 حالة لكل 100 ألف طفل، بينما ما تزال البيانات الوطنية الشاملة محدودة.
كما تشير دراسات حديثة الى أن انتشار اضطراب طيف التوحد في العراق يُقدَّر بنحو 0.89٪ من الأطفال، مع ملاحظة تزايد التشخيص في السنوات الأخيرة نتيجة تحسن الوعي والفحص الطبي.
قصة سوزان ليست حالة فردية فقط، بل تعكس واقعاً أوسع يعيشه آلاف الأطفال في العراق ممن يحتاجون إلى خدمات تأهيل ودعم متخصص في هذا المجال.
توضح سوزان أن العمل داخل المركز يقوم على مبدأ التأهيل الفردي، حيث يخضع كل طفل إلى جلسة يومية لمدة ساعة، بإشراف مدرّبة خاصة به داخل غرفة مستقلة. وتقول: “كل طفل لديه برنامج خاص يتناسب مع حالته، ونعمل على تطوير التركيز والتواصل والمهارات الاجتماعية لديه من خلال تمارين خاصة واستخدام العاب خشبية متنوعة”
كما تؤكد سوزان ان “جميع المدربات متخصصات بعلم النفس والعلاج السلوكي ، كما ان هناك خبيرة متخصصة بمعالجة التوحد تتابع معهم، والمدربات اخذن تدريبات مكثفة على يدها وحصلن على شهادات خبرة”.
يوجد عدد قليل من المراكز في المحافظة وهي مراكز خاصة تخضع لمراقبة ومتابعة وزارة الصحة ويمنح كل مركز إجازة رسمية بعد خضوعه لشروط عدة منها ان تكون إدارة المركز من قبل متخصص\ة في علم النفس، ويعتبر مركز “فُلّة” من أوائل المراكز المجازة رسمياً في المنطقة.
في الصفوف الدراسية الأولى، تظهر ملامح المشكلة بوضوح أكبر. تقول معلمة اللغة العربية في مدرسة “العراق الجديد”، نبأ ياسين “إن السنوات الأخيرة شهدت تغيراً ملحوظاً في طبيعة التحديات داخل الصف وبدأنا نلاحظ ارتفاع عدد الأطفال الذين يعانون من صعوبات في التركيز والتواصل.”
وتوضح أن المدرسة، رغم دورها التربوي، لا تستطيع التعامل مع هذه الحالات بمعزل عن دعم متخصص، مضيفةً أن الأطفال الذين يتلقون تدريباً في مراكز تأهيلية يظهرون تحسناً واضحاً في مستوى الانتباه والتفاعل داخل الصف.
هذا التداخل بين التعليم والتأهيل يعكس فجوة أوسع في الخدمات، وهو ما يشير إليه رئيس منظمة “إيوان” لتطوير حقوق الإنسان، مروان العزاوي، الذي يرى أن خدمات التأهيل في المحافظات المتأثرة بالنزاعات لاتزال محدودة قياساً بحجم الحاجة.
ويقول العزاوي “إن تداعيات الحروب والنزوح، إلى جانب التحديات الاقتصادية المستمرة، ما زالت تؤثر على قدرة العائلات على الوصول إلى خدمات متخصصة”.
مؤكداً أن مراكز تأهيلية مثل مركز “فُلّة” تمثل استجابة محلية مهمة لسد هذا النقص، خاصة في المناطق التي تفتقر إلى خدمات حكومية كافية.
ولا يقتصر أثر تلك المراكز على الأطفال فقط، بحسب العزاوي، بل يمتد ليشمل العائلة أيضاً، من خلال التوعية والدعم النفسي، مما يساعد على تخفيف الضغط الذي تواجهه الأسر في التعامل مع الحالة.
يشير مدير مكتب المفوضية العليا لحقوق الإنسان في ديالى، صلاح مهدي، إلى أن فرق المفوضية رصدت ارتفاعاً ملحوظاً في حالات اضطراب طيف التوحد.
ولفت مهدي إلى محدودية عدد المراكز المتخصصة في المحافظة، مشيراً إلى أنها لا تتجاوز عشرة مراكز، وهو عدد لا يتناسب مع تزايد الحالات خلال السنوات الأخيرة.
والمبرّدة ما تزال تدور… رحلة لاكتشاف الطريق
في ظهيرة صيفية من عام 2014، كانت ريام دريد تجلس تقرأ بنهم استعداداً لامتحانات البكالوريا، بينما تدور المروحة ببطء في بيت العائلة بمدينة جلولاء.
لم يكن في ذلك اليوم ما يوحي بأن الحياة ستتغير. خلال دقائق، دوّى انفجار قرب مركز الأسايش في المدينة، وهو جهاز أمني يتبع حكومة إقليم كوردستان العراق.
لم تنتظر والدتها سوزان، خريجة معهد المعلمين قسم اللغة الإنكليزية، كثيراً، حتى جمعت أبناءها بسرعة وخرجت من البيت.
تتذكر تلك اللحظة قائلة: “خرجنا بملابسنا فقط، كانت المبرّدة ما تزال تعمل في البيت، ولم نأخذ معنا شيئاً”.
في عام 2014، شهد العراق منعطفاً غير مسبوق عندما سيطر ما يسمى بتنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) على مساحات واسعة من شمال وغرب البلاد، عقب سقوط مدينة الموصل وانسحاب القوات الأمنية.
امتد نفوذ التنظيم ليشمل محافظات نينوى وصلاح الدين والأنبار وأجزاء من محافظة كركوك ومحافظة ديالى، قبل أن تعلن الحكومة العراقية في أواخر عام 2017 استعادة كامل الأراضي من سيطرته، رغم استمرار تحديات الأمن وإعادة الإعمار والمصالحة.
لم تحمل العائلة سوى أوراقها الثبوتية، وكان ذلك الخروج بداية رحلة نزوح طويلة قادت سوزان وأطفالها إلى مدن عدة، قبل أن تستقر في مدينة بعقوبة، والاي بدأت منها مرحلة جديدة في حياتها.
ما تزال محافظات مثل محافظة ديالى تعاني آثار موجات النزوح، رافقت سنوات الحرب ضد سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش).
وبحسب بيانات المنظمة الدولية للهجرة IOM كانت محافظة ديالى حتى عام 2024 تستضيف أكثر من 42 ألف نازح داخلي، كثير منهم يعيشون أوضاعاً اقتصادية صعبة بعد سنوات طويلة من النزوح.
لم يكن النزوح مجرد انتقال جغرافي، بل اختباراً يومياً للصبر والقدرة على الاستمرار. هكذا لم تكن خطوات سوزان مجرد محاولة للبقاء، بل بداية جديدة تقف فيها على قدميها من جديد، وتبدأ بمدّ يد العون للآخرين.
بعد فترة من النزوح وعدم الاستقرار، ومع تحمّل مسؤولية رعاية أطفالها وإدارة متطلبات الحياة بمفردها، حاولت سوزان في نهاية المطاف استعادة توازنها والبدء من جديد.

في نهاية عام 2016، افتتحت روضة صغيرة للأطفال في بعقوبة، لكن عملها اليومي مع الأطفال كشف لها وجود حالات تحتاج إلى دعم متخصص. تقول: “كنت أرى فرقاً واضحاً بين طفل وآخر، وبدأت أقرأ وأشارك في دورات تدريبية لأفهم أكثر.”
بعد فترة من التدريب والتعلم، قررت تحويل الروضة إلى مركز متخصص في تأهيل الأطفال، وهكذا تأسس مركز “فُلّة” للتوحد واضطرابات التعلم في بعقوبة.
في داخل هذا المكان الصغير نسبياً، تحاول سوزان أن تخلق عالماً مختلفاً للأطفال، حيث يمتد مركز فُلّة على مساحة تبلغ نحو (250) متراً مربعاً، يضم إدارة وخمس غرف تدريب مخصصة للجلسات الفردية، إلى جانب غرفة انتظار وثلاثة مرافق صحية.
صُممت الغرف بعناية وبألوان هادئة، منها الأزرق الفاتح، لتجنب إثارة سلوك الطفل أو تشتيته أثناء التدريب، مع اعتماد إضاءة خاصة تُستخدم ضمن جلسات التكامل الحسي، ترافقها موسيقى خفيفة تساعد على تهدئة الأطفال.
ويضم المركز فريقاً مكوناً من 14 شخصاً، يتوزع بين مدربات متخصصات، وكادر الإدارة وعاملة النظافة والحارس، يعملون بشكل يومي لتقديم الدعم للأطفال.
هنا توضح المدربة سفانة مثنى (26 عاماً)، أن التدريب يعتمد على برامج فردية لكل طفل، ومنذ إنشاء هذا المركز استقبل مئات الأطفال.
حيث يبدأ الدوام فيه من الساعة الثامنة صباحاً ليستمر حتى الثانية ظهراً، ثم يمتد فيه العمل للفترة المسائية حتى الساعة الخامسة.

وتبين سفانة ” ان العمل داخل المركز يقوم على مبدأ التأهيل الفردي، حيث يخضع كل طفل إلى جلسة يومية لمدة ساعة، بإشراف مدربة خاصة به داخل غرفة مستقلة.
وتضيف: “كل طفل لديه برنامج خاص يتضمن التغذية، والتمارين، والسلوكيات بما يتناسب مع حالته، كما نعمل على تطوير التركيز والتواصل والمهارات الاجتماعية لديه”.
حين تتغيّر النظرة … تتغيّر الحياة
بالنسبة لأهالي الأطفال، يمثل المركز فرصة للحصول على دعم متخصص قريب من مكان سكنهم.
تقول أم علي محمد حسين (46 عاماً)، من قضاء المقدادية، وهي والدة لطفل توحد يبلغ من العمر تسع سنوات، “قبل أن يبدأ ابني التدريب لم يكن يستجيب لطلباتنا في البيت، لكن بعد فترة من الجلسات لاحظنا تحسناً في انتباهه وتواصله.”

الصورة التقطت بعدسة المصور الصحفي “مروان الفجر” بتاريخ 26-2-2026 لأم علي في باحة المركز وهي تنتظر ابنها ليكمل جلسته
وتضيف ام علي: “كنا نذهب من المقدادية إلى بعقوبة، وبعد افتتاح فرع للمركز هنا أصبح الطريق أقرب وأسهل”.
بالعودة الى مديرة المركز سوزان، التي اكدت بدورها أن التدخل المبكر يشكل عاملاً حاسماً في تحسين حالة الطفل، قائلة: “عند ملاحظة أي سلوك غير طبيعي، يجب على الأهل الإسراع في طلب المساعدة، لأن التدخل المبكر قد يغير حياة الطفل بشكل كبير.”
إلى جانب العمل مع الأطفال، تحاول سوزان أيضاً توعية المجتمع حول اضطراب التوحد، الذي ما يزال يواجه وصمة اجتماعية لدى بعض العائلات.
لكن التحدي لا يتوقف عند نقص الخدمات، إذ يشير صلاح مهدي إلى عامل آخر أكثر تعقيداً، وهو ضعف إقبال بعض العائلات على تسجيل أطفالهم في مراكز التأهيل، نتيجة الوصمة الاجتماعية المرتبطة بالتوحد، حيث لا يزال يُنظر إليه لدى البعض كأمر يجب إخفاؤه، لا كحالة تحتاج إلى دعم وعلاج.
وفي محاولة لفهم أوسع لطبيعة المشكلة في المجتمع، تشير المتخصصة في الإرشاد التربوي والعلاج السلوكي هدى محمد محمود، إلى أن اضطراب طيف التوحد يُعد من أبرز الاضطرابات النمائية التي شهدت انتشاراً ملحوظاً في السنوات الأخيرة.

وتوضح هدى، أن التوحد هو اضطراب سلوكي نمائي يرتبط بعدة عوامل، بينها تغيرات البيئة الحديثة وأنماط الحياة إلى جانب أسباب أخرى ما تزال قيد البحث والدراسة، وهو ما انعكس على زيادة عدد الحالات المشخّصة، لا سيما لدى الأجيال الحديثة.
وتقول هدى : “نلاحظ تزايداً واضحاً في حالات التوحد، إلى جانب اضطرابات أخرى مثل تأخر النطق وفرط الحركة، وهو ما يفرض الحاجة إلى تدخل مبكر ومنظم.”
فيما تؤكد مديرة المركز سوزان، من خلال عملها، أن “كثيراً من الأهالي يترددون في الاعتراف بأن طفلهم يعاني التوحد، وكأنه عيب يحاولون إخفاءه، وهنا يأتي دورنا بأن نوضح لهم بأن التوحد ليس عيباً، بل حالة تحتاج إلى فهم وتدريب.”
وتضيف هدى: “التدخل المبكر داخل هذه المراكز يلعب دوراً أساسياً في تعديل السلوك وتنمية قدرات الطفل، ومساعدته على الاندماج في المدرسة والحياة اليومية بشكل أفضل”.

يُعدّ التوسع في إنشاء مراكز متخصصة داخل محافظة ديالى، ورفع مستوى الوعي المجتمعي، وتشجيع تسجيل الأطفال من قبل الأهالي، من الإجراءات الضرورية.
كما يضيف مهدي الى أن بعض الاهالي يأتي بالطفل إلى الروضة ليقنع نفسه أن المشكلة مجرد سلوك بسيط يمكن أن يُعالج في الروضة، لكن الحقيقة أن الروضة ليست علاجاً للتوحد، بل بالعكس قد يشعر الطفل بالفروق الفردية بينه وبين أقرانه، وقد يتعرض للتنمر أو العزلة.”
هذا الواقع لا يزال مستمراً حتى اليوم، تقول سوزان إن كثيراً من الأهالي يلاحظون أعراضاً واضحة لدى أطفالهم، مثل ضعف النطق وقلة التركيز والحركة الزائدة، لكنهم يترددون في تقبّل التشخيص أو تسميته. وتضيف: “أحياناً يأتي الأهل ويذكرون كل أعراض التوحد … لكنهم يقولون: لا تقولوا توحد.”

إذ لا تبدو المشكلة مرتبطة بالأطفال فقط، بل تمتد إلى مستوى الوعي المجتمعي بطبيعة هذا الاضطراب وطرق التعامل معه.
وتؤكد المتخصصة الاجتماعية هدى ” أن المراكز المتخصصة تمثل اليوم فجوة يتم سدها على مستوى الخدمات، خاصة في المحافظات التي تعاني نقصاً في الدعم التأهيلي، إذ توفر هذه المراكز بيئة تدريبية تساعد الأطفال على تطوير مهاراتهم السلوكية والتواصلية، وتمهد لدمجهم في المجتمع.

وتلفت إلى أن استجابة الأطفال تختلف بحسب توقيت التدخل ووعي الأسرة، موضحة أن التأخر في طلب الدعم أو الاعتماد على الحلول غير المتخصصة قد يقلل من فرص التحسن، في حين أن التدريب السلوكي المنتظم يحقق نتائج أكثر فاعلية في كثير من الحالات.
خلال مرحلة التعافي وبناء العدالة الانتقالية، تصبح المراكز المحلية الصغيرة مثل المركز الذي تديره سوزان واحدة من المساحات التي يمكن أن يحصل فيها الأطفال على دعم نفسي وتأهيلي، خصوصاً في محافظات تعاني محدودية الخدمات المتخصصة.
بعد سنوات من مغادرة منزلها في جلولاء، تمكنت سوزان من إعادة بناء حياتها في بعقوبة، كما أكمل أطفالها دراستهم الجامعية. تقول: “النزوح كان تجربة صعبة، لكنه علمني أن البداية من جديد ممكنة.”
اليوم، بينما تستقبل أطفالاً جدداً في مركزها بكلا فرعيه بمدينتي (بعقوبة والمقدادية) في محافظة ديالى، كل صباح ترى سوزان أن المبادرة التي بدأت بخطوة صغيرة أصبحت فرصة لدعم عائلات أخرى في مجتمعها.
“إذا استطعنا مساعدة طفل واحد على التقدم في حياته، فهذا يعني أن كل التعب كان يستحق.”




